ساسي سالم الحاج

30

نقد الخطاب الاستشراقي

بنظام المدرجات الذي يؤدي إلى انحباس مياه الأمطار واستخدامها للري الدائم « 1 » . ولعل أهم عامل اقتصادي تتميّز به الجزيرة العربية هو الرعي الذي يستند إلى المراعي الواسعة التي تقوم على نزول الأمطار خاصة أن هذه المراعي تزدهر في فصل الربيع فتنتقل القبائل من مكان إلى آخر بماشيتها بحثا عنها للتمتع بما تجود به من نباتات تكون صالحة لتغذيتها - أي تغذية مواشيها - . وكان لهذا الانتقال أثره الحضاري الهام سواء أكان في الجزيرة العربية أم في شمال إفريقيا ، وذلك عندما يزحف الرعاة بماشيتهم إلى الأراضي الخصبة فيصطدمون بأهل الحضر الذين تقوم حياتهم على الزراعة فينشأ ذلك الصراع بين البدو والحضر ، وهو صراع له آثاره الواضحة في هذين الإقليمين إلى يوم الناس هذا . ولا يعتمد العرب في معيشتهم على الزراعة فحسب ولكنهم كما ذكرنا يربون أعدادا متنوعة من الماشية كالإبل والبقر والغنم ، وإن كان الجمل أنسب الحيوانات لهذه البيئة الطاردة من الحيوانات الأخرى ، ومن هنا كان اقترانه بحياة البدوي حتى ربط المستشرقون بينهما رباطا لا يقبل التجزئة . ولا ننسى في هذا السياق الخيل وأهميتها الحربية للبدوي ، وقد كثرت العناية بها خاصة في المناطق الخصبة لأنها لا تتحمل الجوع والعطش كالجمال ولكنها لم تكن بتلك الكثرة التي كانت عليها الجمال . ولعل أهم المظاهر الاقتصادية التي تميز الجزيرة العربية قبل الإسلام هي التجارة بنوعيها البرية والبحرية . وقد كانت لها أهميتها الكبرى حتى أشار إليها القرآن في مواضع عديدة ، وزاولها الرسول في شبابه حتى قيل ما قيل فيه من أن ما جاء به من أحكام كان إبّان تجارته للشام واختلاطه بأهل الكتاب واستقاء معلوماته منهم . كانت تجارة العرب تمتد شمالا إلى الشام والعراق وفارس ، وجنوبا إلى اليمن والحبشة وهو ما يعرف برحلتي الشتاء والصيف ، وقد منّ اللّه على قريش بهما حيث أصبح وضعها الاقتصادي والأمني جيدا بسببهما . فكان القرشيون تجارا مهرة يأتون بمنتوجات الجنوب فيسوّقونها في الشمال ، ويأتون بمنتوجات المناطق الشمالية فيوزعونها في المناطق الجنوبية . وقد اقتضى ذلك ترسما لطرق القوافل نتج عنه

--> ( 1 ) Le BARON BOWEN , Irrigation in Ancient Qatabun , Archaeological Discoverices in south Arabia , p . 43 .